الشوكاني

169

نيل الأوطار

الخصوم ، ثم لا بد أن يكون عاقلا مائلا عن الهوى . ثم قال : وهذا وإن كنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات ، ولكن يجب أن يطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم . وقال المهلب : لا يكفي في استحباب القضاء أن يرى نفسه أهلا لذلك بل أن يراه الناس أهلا له . وقال ابن حبيب عن مالك : لا بد أن يكون القاضي عالما عاقلا ، قال ابن حبيب : فإن لم يكن علم فعقل وورع ، لأنه بالورع يقف وبالعقل يسأل ، وهو إذا طلب العلم وجده ، فإذا طلب العقل لم يجده انتهى . قلت : ماذا يصنع الجاهل العاقل عند ورود مشكلات المسائل ، وغاية ما يفيده العقل التوقف عند كل خصومة ترد عليه ، وملازمة سؤال أهل العلم عنها ، والاخذ بأقوالهم مع عدم المعرفة لحقها من باطلها ، وما بهذا أمر الله عباده ، فإنه أمر الحاكم أن يحكم بالحق وبالعدل وبالقسط وبما أنزل ، ومن أين لمثل هذا العاقل العاطل عن حلية الدلائل أن يعرف حقية هذه الأمور ؟ بل من أين له أن يتعقل الحجة إذا جاءته من كتاب أو سنة حتى يحكم بمدلولها ؟ ثم قد عرف اختلاف طبقات أهل العلم في الكمال والقصور والانصاف والاعتساف والتثبت والاستعجال والطيش والوقار والتعويل على الدليل والقنوع بالتقليد ، فمن أين لهذا الجاهل العاقل معرفة العالي من السافل حتى يأخذ عنه أحكامه وينيط به حله وإبرامه ؟ فهذا شئ لا يعرف بالعقل باتفاق العقلاء ، فما حال هذا القاضي إلا كحال من قال فيه من قال : كبهيمة عمياء قاد زمامها * أعمى على عوج الطريق الحائر قوله : لا تأمرن على اثنين الخ ، في هذا النهي بعد إمحاض النصح بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : إني أحب لك ما أحب لنفسي إرشاد للعباد إلى ترك تحمل أعباء الأمارة مع الضعف عن القيام بحقها من أي جهة من الجهات التي يصدق على صاحبها أنه ضعيف فيها ، وقد قدمنا كلام النووي على هذا الحديث في باب كراهية الحرص على الامارة . قوله : وإن أمر عليكم عبد حبشي بفتح المهملة والموحدة بعدها معجمة منسوب إلى الحبشة . قوله : كأن رأسه زبيبة هي واحدة الزبيب المأكول المعروف الكائن من العنب إذا جف ، وإنما شبه رأس العبد بالزبيبة لتجمعها ولكون شعره أسود ، وهو تمثيل في الحقارة وبشاعة الصورة وعدم الاعتداد بها . وقد حكى الحافظ في الفتح عن ابن بطال عن المهلب أنها لا تجب الطاعة للعبد إلا إذا كان المستعمل له إماما قرشيا ، لان